الفتال النيسابوري

562

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

جلالة وهيبة حسنة ، فلمّا نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ولا أعلم [ أنّه ] فعل هذا بأحد من بني هاشم والقوّاد ، فلمّا دنا منه عانقه وقبّل وجهه وصدره ، وأخذ بيده وأجلسه على مصلّاه الذي كان عليه ، وجلس على جنبه مقبلا عليه بوجهه ، وجعل يكلّمه ويفدّيه بنفسه وأنا متعجّب ممّا أرى منه ، إذ دخل الحاجب فقال : الموفّق قد جاء ، وكان الموفق إذا دخل على أبي تقدّمه حجّابه وخاصّة قوّاده ، فقاموا بين مجلس أبي وبين الدار سماطين ، إلى أن يدخل ويخرج فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمّد يحدّثه حتى نظر إلى غلمان الخاصّة ، فقال حينئذ له : إذا شئت جعلني اللّه فداك ، ثمّ قال لحجّابه خذوا به خلف السماطين لا يراه هذا يعني الموفّق ، فقام وقام أبي وعانقه ومضى . فقلت لحجّاب أبي وغلمانه : ويلكم ! من هذا الذي كنّيتموه « 1 » بحضرة أبي وفعل به هذا الفعل ؟ فقالوا : هذا علويّ يقال له : الحسن بن علي يعرف بابن الرضا ، فازداد « 2 » تعجّبي « 3 » ، ولم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره وأمر أبي ، وما رأيته فيه حتى كان الليل ، وكان عادته أن يصلّي العتمة ثمّ يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات ، وما يرفعه من السلطان ، فلمّا صلّى وجلس جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد ، فقال لي : يا أحمد ألك حاجة ؟ قلت : نعم يا أبة ، فإن أذنت سألتك عنها ، فقال : قد أذنت . فقلت : أبه « 4 » من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل ، وفديته بنفسك وأبويك ؟

--> ( 1 ) في المخطوط : « كنتموه » بدل « كنّيتموه » . ( 2 ) في المخطوط : « فازددت » بدل « فازداد » . ( 3 ) في المخطوط : « تحتي » بدل « تعجّبي » . ( 4 ) في المطبوع : « أية » بدل « أبه » .